ابن قيم الجوزية

29

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى ، قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قال بلى ، قال فهو قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها « كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه أني راجعك إلى الجنة » فهذا بعض ما احتج به القائلون بأنها جنة الخلد ونحن نسوق حجج الآخرين . الباب الرابع في سياق حجج الطائفة التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي جنة في الأرض قالوا هذا قول تكثر الدلائل الموجبة للقول به فنذكر بعضها قالوا قد أخبر اللّه سبحانه على لسان جميع رسله أن جنة الخلد إنما يكون الدخول إليها يوم القيامة ، ولم يأت زمن دخولها بعد ، وقد وصفها اللّه سبحانه وتعالى لنا في كتابه بصفاتها ومحال أن يصف اللّه سبحانه وتعالى شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفه بها قالوا فوجدناه اللّه تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بأنها دار المقامة فمن دخلها أقام بها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها ووصفها بأنها جنة الخلد وآدم لم يخلد فيها ووصفها بأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي ، ووصفها بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلى آدم فيها بأعظم الابتلاء ووصفها بأنها دار لا يعصى اللّه فيها أبدا وقد عصى آدم ربه في جنته التي دخلها ووصفها بأنها ليست دار خوف ولا حزن وقد حصل للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل وسماها دار السلام ولم يسلم فيها الأبوان من الفتنة ودار القرار ولم يستقرا فيها وقال في داخليها وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ وقد أخرج منها الأبوان ، وقال لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وقد ند فيها آدم هاربا فارا وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه ، وأخبر أنه لا لغو فيها ولا تأثيم وقد سمع فيها آدم لغو إبليس وإثمه وأخبر أنه لا يسمع فيها لغو ولا كذب وقد سمع فيها آدم عليه السلام كذب إبليس وقد سماها اللّه سبحانه وتعالى مقعد صدق وقد كذب فيها إبليس وحلف على كذبه وقد قال تعالى للملائكة إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ولم يقل إني جاعل في جنة المأوى « فقالت الملائكة